علمانية وخلافة!

حسين الوادعي
الأحد ، ٣١ يوليو ٢٠٢٢ الساعة ٠١:٥١ صباحاً
مشاركة |

أقِفُ عاجزاً عن فهم موقف العرب من قضيةٍ.. ومن شخصٍ.

أما القضية فهي إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924م. وأما الشخص فهو كمال اتاتورك.

كان إلغاء مؤسسة الخلافة المتهالكة إنجازاً تاريخياً ساهم في انهاء سلطة استبدادية جَرّعت العرب الأمرّين، وأخّرت تطورهم، ومنعت دخول المطبعة والكتب الحديثة لثلاثة قرون، وجَمّدتهم بينما كان العالم حولهم يتغير وينتقل من النهضة الى التنوير إلى العلم والديمقراطية.

أسس إلغاء الخلافة لشرعية الدولة-الأمة،  وإنهاء عهد الإمبراطورية الدينية والغزو الديني، وشرعنت لإقامة الدول على السيادة والهوية القومية والمصلحة العامة وحقوق الإنسان.

وعندما اشاهد البكائيات حول سقوط الخلافة، والحلم الساكن داخل المسلم لعودة الخلافة أحس أن هناك تشويها فكرياً وسياسياً عميقاً قد حصل بحيث صرنا نرى الإنجاز نكبةً، وصرنا نرى عودة النظام الاستبدادي المتخلف حلماً وردياً للمستقبل.

أما بالنسبة لأتاتورك فكنت اتوقع ان يرفعه العرب الى مصاف الأبطال التاريخيين كما فعل معه الأتراك. فكل تركي سواء كان إسلاميا أو علمانيا يرى إن أتاتورك هو أعظم ابطالهم المعاصرين وهو الأب المؤسس للجمهورية وهو بطل الاستقلال.

وفي حين كانت قوات الحلفاء قد احتلت اسطنبول واعتقلت الخليفة.  وكان الخليفة قد تحول إلى دمية في يد المحتلين، كان اتاتورك يجمع القوات التركية ويوجهها الى معركة تاريخية طردت المحتل واستعادت استقلال تركيا.

وكان احمد شوقي يشاهد بطولات اتاتورك فيكتب فيه شعرا يشبهه بخالد بن الوليد. لكننا نجد الوعي العربي ، في ظاهرة بعيدة عن المنطق، يتراجع عن إعجابه باتاتورك ويقدس الخليفة المستسلم للمستعمر والمتواطيء معه،  ويرفض بطل الاستقلال وكل جهوده لتحديث تركيا ونقلها الى القرن العشرين.

ويرفض الحرية التي اعطاها له بانهائه حكم آخر سلالة كانت ترى حقها في حكم العرب والمسلمين بالحق الإلهي.

يحتفل الاوروبيون بمعاهدة "وستفاليا" باعتبارها فاصلا بين زمنين، ونهايةً للحروب الدينية والحكم الديني في أوروبا.  

وكنت أظن،  وبعض الظن غير إثم، ان العرب سيحتفلون بإلغاء خلافة آل عثمان باعتبارها النسخة الإسلامية من وستفاليا.

لكن النكوص الى الخلف حقيقة تاريخية. فرفضت الأغلبية العلمانية والحداثة، وظلوا يحلمون بالخلافة وسيف السلطان، فاستبشروا بولاية الفقيه عام 1979 ورحبوا بعودة الخلافة ولو تحت عمامة الولي-الفقيه، ونافقوا حين جاءت داعش لتحقق حلم الخلافة في شكله الكلاسيكي العتيق عام 2014. 

لكن حلم الخلافة الكئيب لم يسقط بعد. 

فها هو الشعبوي أردوغان يبعثه من جديد، والقنابل الشيعية تزرع ألغام الإمامة في لبنان واليمن والعراق، والشوق لسيف السلطان وسوط الخليفة/الإمام لا يزال حيا ونابضا في بعض الجلود.. 

ولله في خلقه شؤون..

الترتيب العالمي للدول العربية في مؤشر حرية الصحافة 2022

لا تعليق!