كل رواية كتبتها كانت كذبة!

محمود ياسين
الخميس ، ١٠ يونيو ٢٠٢١ الساعة ١٠:٢٦ مساءً
مشاركة |

تدرون؟ كل رواية كتبتها كانت كذبة!

بدأت بكذبة لأصدقاء: أنا أكتب رواية اسمها ”تبادل الهزء” بعدها ”قبل أن أقتل رويدا”، وما تلبث الكذبة أن تتحول لحلم وجهد وبحث عن ناشر ولقد حظيت ب@ayman ghazly وقام بمنح اللحظتين أغلفة وراح يسوق حلم اليمني في معارض الكتب ويمنح السردية ركنا في كل عاصمة يمر بها هذا الناشر المتبقي من زمن الحماسة .

الآن أنا منهمك كلية بإعادة ترتيب الكذبات الثلاث ”على حافة الكأس ، الرابط ، ليلة نيويورك” ويقال إن الفن مثل الحب ”كذبتنا الصادقة”.

في السياسة والصراعات الصغيرة يستتفهك الوجود أحيانا وتعلق في مساجلات لا تدري بملامح من تخوضها ، وكانك مزيج من كل ما ليس أنت ، لكن في الرواية أنت المتصرف والإرادة الكلية وبيدك سوط البرق وأنت التكوين والمعاقب والمكافئ تخلق شخصيات ماتلبث أن تتسرب من بين اصابعك وتبدأ التصرف على نحو مستقل.

في الرواية أنت أكثر من الضغينة وأقل من الخيلاء الزائف ، مدرك ومستبصر ونافذ وكامل الضربات ، وكأن الروائي يعيد ترتيب الفوضى الواقعية بفوضى موازية لا مخاطر في اقتفاء وجهتها ومنحها طاقتها القصوى مثل حالة تجريب وارتجال حياة ، حياة كلما حاولت من خلالها إعادة الضبط وتخطي الخلل كلما اختلت قناعاتك بشأن قدراتك مقابل قدرة الحياة الواقعية على ملاحقتك إلى عالمك السردي الذي تلعب فيه دور الإله لتعيدك من أذنك لحقيقة كونك مجرد إنسان لديه كذبة ارتجلها بمواجهة الحقائق القاسية. 

لا سيجار لدي ولا معطف ولا قبعة أيضا ، لم أجلس في ركن معرض كتاب لأوقع النسخ للقراء وأصغي لأنفاس قارئة شغوفة وهي تقترب أكثر لنتأكد من كوني حقيقيا وأنها قد اقتربت من حلمها العذري ومثالها الملهم. 

حيث أنا فحسب ،في صنعاء عاصمة الجمهورية اليمنية ، افرد الخريطة ، أتتبع طرقات السيارات والتفت للشاحنات وكثبان بلادي وحيث النوافذ الشحيحة في مساءات القرى على الجانبين ، اتشمم روائح الوجود ،العناء والتساؤلات والرجاءات الصغيرة ، أتلمس التضاريس ممتدا أطل من عل على الخريطة وكأنني اتنفس داخلها لابعث الحياة ، واعود بعدها لطفولتي في الطريق إلى فصل جديد من حكاية ريمي ولا اتبين من الذي يتعثر في الطريق تحت المطر أنا أم هو. 

ثلاث روايات الآن ،كن كذبات صميمة والآن مخطوطات وقعن ضحية نصيحة ماريو يوسا وهو يلقي خطاب نوبل ويقول أن العمل الروائي هو في إعادة الصياغة وفي اكتشاف الإمكانات المدهشة لإعادة الخلق ووجهات الشخصيات ، وكيف أن كتابة رواية هو إعادة صياغتها في حالة من نشدان الكمال ،الكمال المتعذر والذي يجسده البحث عنه باستماتة ، لا أكثر كمالا وجمالا من كذبة أعيد صياغتها بحماسة من بدأ يصدق نفسه.

لا احد يجلس بثقة من ينطوي على خبرة كافية وحرفية ليكتب رواية ، أنا فقط وحتى في المقالات ابدأ بأصابع قلقة وأردد في النهاية: لقد فعلتها مجددا. 

الفن كما يقال: رمية نرد تصيب في كل مرة.

لا تعليق!