مليشيات الإرهاب المدللة دوليا

فضل الكهالي
الاربعاء ، ١٣ اكتوبر ٢٠٢١ الساعة ١٠:٤٩ مساءً
مشاركة |

مليشيات الإرهاب المدللة دولياً  

في عزو كل أمراض الشرق الأوسط إلى تقاعسات أمريكا تجاه بعض التشكيلات المسلحة شيء من المنطق، لأنها لم تترك الخيارَ للأخرين لفرض احتمالات بديلة، ما جعل من الصّعب الجدل فيما إذا كانت خططها عملية أم لا، لا سيما في ظل التقهقر السياسي والاقتصادي الحاصل في المنطقة، وكأنها حكرٌ عليها، والذي يعدّ شاهدا على الإخفاق الذريع لسياسة القطب الواحد .

  فإستراتيجية واشنطن العسكرية أسهمت في تنامي الأصولية في المنطقة وعززّت مكانة مليشيات ديكتاتورية تفرّدت قياداتها في الغلو والتطرّف واللجوء إلى استغلال الانتقادات الموجَّهة لها لإخفاء قلة كفاءتها ومسؤوليتها عن تردّي الأوضاع في الأماكن التي تفرض سيطرتها الشكلية عليها بغطاء دولي، كما يحدث مع جماعة الحوثي في اليمن، والتي تمارس عملياتها القمعية المتواترة ضد الشعب، مُدّعية وجود عدو خارجي لها، هذا العدو ليس ضروريا أن يكون من صنعها .

  ولأنّ الخلافات بين الدول الكبرى أقرب ما تكون إلى النقاشات المطولة حول التكتيكات، منها إلى المواجهات الحقيقية بشأن المبادئ والقيم؛ ونظراً إلى الاهتمام الخفيّ والمؤقت بالأقليات، فإن تلك الأقليات تتكاتف، لتتحول بمرور الوقت إلى مليشيات مسلحة تتلقى من الدعم الشيء الكثير، متخطية وضع الانكفاء والكفاف، لتصبح مصدر خطر وتهديد حقيقي على الأمن والاستقرار الداخليَين وورقة ضغط على دول الجوار. وبدلاً من مساندة المجتمع الدولي للأنظمة الحقيقية، التي تعدّ جزءً منه، يحصل العكس.

 

ويتزامن مع ذلك وجود المنظمات الإنسانية التي تفتح أبوابها في مناطق "المليشيات" بحجة الأوضاع الإنسانية السيئة الناجمة عن حرب سببُها المليشيات نفسها.. بمباركة المجتمع الدولي، الذي يتفق معها في النتيجة ولكنه يعبث في وسائل المعالجة ويغضّ النظر عن الأسباب وعن العمليات القذرة للمليشيات المسلحة، التي تعزو فسادها إلى الحصار المفروض على البلدان التي عاثت فيها فسادا، بالرغم من أن ما تصبو إليه المليشيات لا يتعدى تحقيق ما تُطلق عليه "انتصارات سياسية " متواضعة في بأدي الأمر، لا تتجاوز الحصول على اعتراف سياسي يكفل لها التعامل بكيفية أوسع في المحافل الدولية، وهذا معناه شرعنة ما تقوم به .

 

 

يمكننا القول إن المعضلة السياسة الدولية في اليمن إذا ما حُللت إلى أبسط مقوماتها، يجب أن تتمثل في التوقف عن خلق المتمرّدين العرضيين من أبناء القبائل، الذين ينخرطون للقتال في صفوف المليشيات والعمل على التقرب منهم أكثر وإقناعهم بان التغييرات الجذرية ستطال الجميع، بما في ذلك منظومة الحكم القبَلي، وستعمل على تأهيلهم وتسهيل عملية دمجهم في المجتمع المدني المتحضّر. هذا إذا ما أراد المجتمع الدولي كسب ثقتهم والانتصار للقضية اليمنية وتصدير الأمل إلى اليمنيين، قولاً وفعلاً، والعمل على تمكين القيادات الشرعية الحقيقية من اتخاذ ما تراه مناسباً، لا تصدير اليأس إلى الجميع، والتوجه إلى صنع الأعداء أكثر من صناعة الأصدقاء .

 

 

وإذا ما استثنينا جماعة الحوثي، يمكننا القول إن اليمنيين عامة ليست لهم أجندات من أي نوع تتجاوز حدود بلدهم القومية المتعارَف عليها، ولا أحلام لهم بشأن أية عمليات جهادية أو توسّعية ضد أحد. حتى إن انخراط بعض أفراد القبائل مع المليشيات المسلحة في معاركها ضد النظام سببُه الفقر والجهل والطاعة العمياء لشيوخ القبائل، بسبب القيود التي يفرضونها عليهم، وإيهامهم بأن قبيلتهم تخسر شرفها، الذي يحصره زعماء القبائل في القتال بجانب إخوانهم مهما كانت فداحة الجُرم. وهذا ما سهّل اختراق بعض القبائل اليمنية عبر المال وتحويل بعض أبنائها إلى معاول هدم بمواصفات خاصة، دون وجود الاحتكاك المباشر اللازم لتكوين أية علاقة مباشرة معهم، وبالتالي إبعادهم عن الحقيقة وتحييد دور المنتمين منهم إلى الجيش والأمن عن الواجب الوطني .

 

 

حتى الآن؛ لا يزال العالم مرناً ومتواطئاً في تصرفاته مع جماعة الحوثي. رغم الثمن الباهظ الذي تدفعه جموع اليمنيين ممن يفضّلون الموت على تدمير النظام الجمهوري. ولم يُعد الأمر مثيرا للدهشة إذا ما قورنت اليمن بسوريا أو العراق.. فكيف يمكن لتدخّل الطيران في مأرب وحدها أن يوقف هيمنة جماعة الحوثي وسيطرتها على مقاليد الحكم في صنعاء وغيرها واستيلاءها على كل شيء؟ ! فقد تستطيع ترسانة الأسلحة التي يمتلكها التحالف ان تساعد في صد هجوماً كاسحاً على مأرب لفترة مؤقته، لكنها لا تستطيع ان توقف قيادات الجماعة البارزة في صنعاء عن التحشيد المستمر واصدار الأوامر الالزامية لعينات من الشباب بالتوجه جبهات القتال هناك، الأمر الذي يترتب عليه تضاعف كلفة الضرر الاجتماعي ليشمل كل بيت في اليمن، وبالتالي تعقيد الأمور أكثر

 .

منذ اللحظات الأولى التي تلت إعلانَ التحالف العربي النصرَ في الأيام القلائل الأولى التي تلت قيامه بضرب معسكرات معظمها كانت شبه خاوية، ارتكب خطأ فادحاً تمثل في اعتبار سرعة الإنجاز دليلَ النصر، وليس الدقة، وكأنه يبعث رسالة مفادها أن الحرب قامت لضرب مقرات الجيش وإحلال المليشيات محله. غير أن هذا لا يمكن أن يدوم طويلاً. فالوقائع تُظهر أنْ لا شيء يمكن لجماعة الحوثي أن تُقدّمه لليمن أو تساعد به البلد في استعادة عافيته على المديين القريب والمتوسط، وربما البعيد .

 

إن إطالة مدى الحرب بهذه الطريقة المفتعَلة والمتعمَّدة مؤامرة واضحة للعيان ولم تعد تخفى على أحد.. ومسألة التغاضي عما يجري شبيهة بمن يطلب من مريض بالسرطان الشّروع في العلاج بدءاً من العام المقبل ويتجاهل أن داء كالسرطان لا يتوقف عن الانتشار في جسم المريض. وقد يقضي عليه في أية لحظة . وهُنا الجريمة التي يرتكبها العالم في حقّ الشعب اليمني، الذي يقف المجتمع الدولي في الضفة الأخرى لمساعي أبنائه إلى الحفاظ على كينونتهم كشعب .

 

بصريح العبارة: الحرب في اليمن لا تُدار على ما يرام! ونتيجة لعدم استخدام الوقت بكفاءة، فإن من البديهي أن تسير جميع المؤشرات في الاتجاه المضاد . فالاستمرار في معالجة الأمور على هذه الشاكلة سيترتب عليه استهلاك ما تبقى من الرأسمال السياسي لدول المنطقة. وعلى هذا الأساس، يجب على الذين ينظرون إلى هذه الحرب على أنها ورطة إعادة التفكير أكثر. فما زال هناك متسع من الوقت للتركيز في الأهداف والإستراتيجيات وإعادة ضبط الوسائل .

 

ولأنّ هناك فرقا بين ما تستطيع القيام به وبين ما يجب القيام به، فما زالت الفرصة متاحة لاستعادة ما فُقد من مصداقية الدول المشاركة في الحرب، سياسياً وعسكريا، وفي مقدمتها دول التحالف العربي، التي قوضتها هذه الحرب وقلصت نفوذها على مختلف المستويات. ومن المرجح أن يزداد النفور الدولي منها وكراهيتها إلى درجة قد تدفعهم إلى مقارعتها سياسياً والتوجه إلى دعم المليشيات المسلحة في اليمن أكثر وأكثر، نكايةً في السعودية ودول الخليج " الثرية"، والتي تتعالى الأصوات المندّدة بدور التحالف العربي "الفاشل " حالياً، إن جاز لنا التعبير، على الرغم من أن إفشاله كان متعمداً، ولا يزال.

 

 

إن مشكلة اليمن معقدة.. وإلى الآن لم تحدث فيها تطورات، ولو بطيئة. وكل ما رأينا هو انحدار وانكسار لا مثيل له. فبدلاً من التقدم، تحولت البلد إلى واحدة من أكثر بلدان العالم تشظياً وتمزّقاً خلال السنوات الأخيرة.. بينما اُعطيت المليشيات مساحات واسعة للتحرّك وبناء تحالفات امام أنظار العالم. ولعلّ العذر الأكثر قبحاً من كل ما سبق، والذي يُروَّج عالمياً، هو "منع استعمال اليمن كقاعدة للمتطرّفين والإرهابيين لمهاجمة الدول الكبرى وحلفائها ". وهذا ما لا تستسيغه دود الأرض. في حين لا ترى الدول الكبرى في تسليم البلاد للمليشيات إرهاباً، ولا ترى ذلك في إغراق البلاد في الأمية وطمر الثقافة الوطنية لجيل بأكمله، وحتى في ممارَسات النهب والقتل ومصادَرة الحقوق والحُرّيات وانتهاك الحرُمات..

الخارجية اليمنية: تصعيد الحوثيين العسكري يقوض جهود إحلال السلام...

لا تعليق!