وجهات اقتصادية بدون نظر ..

فضل الكهالي
الأحد ، ١٢ سبتمبر ٢٠٢١ الساعة ٠٥:٤٧ مساءً
مشاركة |

 

لا تندرج ضمن معايير الإصلاح الاداري توافر المؤسسات المتعددة ولا النسق الشكلي للتشريعات، التي يلاحظ المتعمق فيها حجم التلاعب بالألفاظ وما ترتب عليه من إسراف في عملية تفريخ القوانين، وبالتالي تعقيد التعاملات واستغلال أوسع للنفوذ، بعد "إغراق" بيئة العمل والمستهلكين في التفاصيل (وفي تفاصيل التفاصيل أيضاً) لمجموعة من القوانين المبعثرة.. وهذا في حد ذاته يعدّ أحدَ مدخلات الفساد المالي والإداري الذي لا تجرّمه القوانين في بلدنا.

 

لعلّ من أبرز أسباب الفساد التضخّمُ القانوني وتشابك النصوص التي تعكس الاحتيال الواضح على القانون، مع وجود احترام شبه شكلي لبعض النصوص المتعارف عليها، واستغلال رمزية القانون في عدالة صورية مبنية على تنحية المعارضين والمنافسين في حقل العمل والسعي إلى إيجاد حلفاء جدد أقل خبرة وتجربة حتى يسهل تطويعهم وترويضهم.

 

فالفساد منظومة متكاملة، وما من قائم على شأن عامّ إلا ويكون نائباً عن غيره، ذلك أنه يمثل الجماعة العامة في التحليل النهائي، وحق الجماعة لا يُردّ إلى أحد من الناس.. ففي الفقه الوضعي حق الجماعة مردودٌ إلى مبدأ سيادة الأمة باعتبارها مصدر السلطات في المجتمع، والجماعة لا تتجلى في هيئة واحدة قط، وإنما هي في إرادتها العامة تتجلى في هيئات متعددة تُوازن كلٌّ منها الأخرى، وتكمل عملها وتقيدها.

 

اضافة الى ان مظاهر الفساد تتجلى أكثر في المجتمعات التي يلتمس فيها الفاسد تبريراً لفاسدٍ غيره، لأن ذلك يقضي على آمال الشعب بأكمله، لِما له من تأثير سلبي في زيادة معدلات التضخم نتيجة الاستحواذ على معظم الدخل بدون وجه حق، خصوصاً في بلد كبلدنا، الذي يفتخر نافذوه بـ"تزاوج" الفساد مع الإعلام، متجاهلين أن هذه العملية هي أقربُ إلى الاغتصاب منها الى الزواج، نظراً إلى ارتفاع نسبة المخاطر وتجاوزها حدود الخطر بمراحل.

 

وعلى الرغم من تشكيل بعض الهيئات واللجان للرقابة على النظام المالي والخدمات المجتمعية في ظل ماتعانيه البلد من أزمات وعجز في الخدمات، إلا انه لا توجد آليات قانونية مستقلة تضمن التنافس الشريف وتُجرّم الاتفاق على الغش فيها، لما لذلك من أهمية في تخفيف التأثيرات المُعيقة لإحداث التغيير والحد من تفشي هذا النوع الخطير من الفساد المتشارك بين القطاعين العامّ والخاص. وتقع مسئولية كشف ذلك على عاتق الأجهزة الرقابية، بطُرق مباشرة أو غير مباشرة.

 

بدورها، تشكو الأجهزة الرقابية من ضعف نوعية المعلومات وترى أن ذلك يصعّب الرقابة ويسهم في انتشار الفساد وانعدام الثقة، ما فاقم من هذه الظاهرة بأشكالها المتعددة. وترتب على ذلك خلق العديد من "الشركات" الصّورية التي تمارس غسيل وتبييض الأموال لتلعب بذلك الدور الأبرز في عمليات الفساد، لا سيما في دولة كاليمن التي تتبنى قوانينها السرية المصرفية في ظل غياب القوانين الصارمة التي تجرّم تبييض الأموال؛ والنتيجة هي تنقّل الأموال بين هذه "الشركات" الصورية من خلال إجراء عدد من التعاملات المالية المعقدة.

 

هناك خلل في عملية الرقابة وفي دور الأجهزة الرقابية والقائمين عليها، يتمثل في التحجّج بوجود الميزانيات المبهمة وغير المفصلة بالقدر الكافي الذي لا يسمح لها بالتدقيق التام؛ ولهذا تبدي هذه الأجهزة تحفظات جمّة حول نتائج مراجعتها الإيرادات الفعلية للدولة في حال تمت مراجعتها بالفعل، مع علمها المسبق بأن تبدد الإيرادات يعود إلى استحواذ فئات بعينها على القدر الأكبر من الرّيع المحقق، في حين "تغرق" هي، وأقصد هنا الأجهزة الرقابية في تحليل المصروفات، التي يتم معظمها خارج إطار الموازنات ولصالح مؤسسات أو مراكز قوى وتكتلات لا تخدم الصالح العامّ في المُجمل.

 

كما ان بعض النخب السياسية تريد مقاسمة المواطنين ما يملكون لا ما يفعلون، والتحكم بما يشعرون به. وحتى إن تمت التضحية ببعض المتلاعبين المباشرين بالمال العامّ وفضحهم فإن ذلك يكون فقط للتغطية على من هم أكثر توغّلاً فيه ومساندة له ليس إلا، بحكم أن ما يجمعهم أكثرُ مما يفرّقهم.. ولعل الحرب هي البيئة الأمثل لارتفاع معدلات الجرائم ولتفشي الفساد الذي تنتهجه التكتلات التي تسعى إلى نهب مدخرات الوطن وتتقاسم ثرواته بحجة "درء الفتنة"، لأنها البيئة الحاضنة للشللية التي تنتقص من شأن فلان إعلاءً لشأن غيره، وتسخير الروتين الإداري المملّ والقاتل المحشو بزيف ودجل إعلامي يراد به إلباس الباطل لباسَ الحق. وأنّى لهم ذلك، لو يعقلون!؟

 

إجمالاً، ليس من السهل إطلاق مسمى "جريمة" على التصرّفات المالية التي تتنافى مع أخلاقيات العمل المالي ما لم تتضمن القوانين ما ينص على ذلك؟ إذ لا جريمة بدون نص ولا عقوبة بدون نص؛ ولهذا فإن أقصى ما يناله الفاسد في بلد كبلدنا وغيره من بلدان العالم الثالث لا يتعدى النظرة المجتمعية له، وهذه ليست عقوبة رادعة على الإطلاق. وعليه، فإن من الواجب تضمين القوانين عقوبات تتلاءم مع أفعال العابثين بالمال العام، بدل القوانين المبهمة التي تُحصّنهم ضد أية محاسبة أو متابعة..

الخارجية اليمنية: تصعيد الحوثيين العسكري يقوض جهود إحلال السلام...

لا تعليق!