معركة مأرب

د. مروان الغفوري
الخميس ، ١٤ اكتوبر ٢٠٢١ الساعة ٠١:٥٤ صباحاً
مشاركة |

من المحتمل أن يكسب الحوثيون المعركة في مأرب. احتمال أكبر أن يخسروها. عمّرت مدينة مأرب في الأعوام الأخيرة كما لو أنها ستدوم ألف عام. إذا اجتاز الحوثيون كل الخطوط الجبلية، الوديان، والصحاري فسيكونون في مواجهة مباشرة مع المدينة. جرى في صنعاء أن خيم الحوثيون على مداخلها فأعلن الجيش اليمني في بيان تاريخي "الحياد". ثم صار أن تفاخر قادته بالحياد الذي جنّب المدينة الدمار. قد يحدث الشيء نفسه في مأرب، إذ يطلع عبدالملك بدر الدين واعداً خصومه بالعفو، مفسحاً الطريق لهم ليذهبوا بسلام. لنتذكر: حتى وهو في أميركا، بعد السقوط، كان الوزير الترب ينعت الحوثي بأفضل ألقابه "السيد".

يقاتل الحوثي على الطريقة الإيرانية، ولا يتردد لحظة واحدة في سحق المدن بما توفر لديه من سلاح [تقول تقديرات إنه أطلق على مدينة تعز خلال ستة أعوام ما يزيد عن مائة ألف مقذوف، وأن جرحى تلك المقذوفات العمياء تجاوزوا الخمسين ألفا]. 

خطوة إلى الماضي:

الجيش اليمني [النسخة الجنوبية] بلغ مشارف مدينة الحديدة بعد أن تجاوز كل الضواحي والأرياف. وصلت مدرعاته إلى مطار الحديدة، واقتربت العربات من جامعة المدينة. حفر الحوثيون الأنفاق والخنادق في شوارع المدينة، وتدخلت الأمم المتحدة وأوقفت المعركة. 

الأخطاء الثلاثة القاتلة: توقف الجيش في نهم، وقوف القوات الجنوبية على الحدود الجنوبية لتعز، وإيقاف معركة الحديدة. من يرتكب هذه الأخطاء هو "قائد" قرر سلفاً أن يخسر المعركة.  خلال كل المعركة كان هادي خارجها. وإذا كان الحوثي لا يزال يغزو ب"مخزون صالح" فهو ينتصر بغياب هادي. لا فائدة من استجرار هذا الحديث،  عاد الماضي كله وسيطرت صعدة على صنعاء والضالع على عدن. بقعتان مظلمتان، قذيفتان عمياوان خرجتا من المجهول واستقرتا في قلب أهم حاضرتين في تاريخ اليمن المعاصر. 

كادت مقاومة البيضاء أن "ترد السيل مطلع"، ولكن خطيئة ما فتحت باب الجحيم. انهارت مقاومة البيضاء في ساعة انتصارها، ولا تزال الأسباب غير معروفة، أو يمكن تخمينها. فتحت تلك الهزيمة شهية الحوثي للنصر، ولم يكن قد حقق نصراً ذا بال منذ فترة. من البيضاء اخترق الحوثي شبوة، ومن شبوة إلى مأرب. كانت البيضاء أخطر مما تخيله قادة الجيش اليمني، وهم هواة نفعيون لم يتعلموا شيئاً: لا من الكلية ولا من الدنيا.   تضيق المعركة شيئاً فشيئاً، كل قرية تسقط الآن في قبضة الحوثي تقربه من الحسم أكثر. إذا حسمت "العبدية" و"الجوبة" فستعيش مدينة مأرب أوضاعا غاية في الصعوبة. سابقاً استجابت الحكومة اليمنية وأوقفت معركة الحديدة، أو مصنع/طريق السلاح. الحوثي لا يعترف سوى بمشروعه، وسيركض خلف مشروعه حتى تمامه أو انهياره. يحكم صعدة منذ زمن، ولم يفكر قط بتأسيس جامعة، مدرسة، مستشفى، أو حتى جامع. زهرة مملكته، وقلبها، تعيش بلا طبابة، ولا إنترنت، معزولة كلياً عن العالم، وإذا تعسرت ولادة امرأة في صعدة الآن فستموت بعد ساعتين. الرجل الذي لا يأبه حتى لسكّان قريته لن يأبه لما يجري في قرى الآخرين. هو قادم من كتب قديمة، من الكتب القديمة تخرج الشياطين والساحرات واللعنات، هكذا في كل الخيال الأدبي، وفي الحقيقة.

ومع ذلك .. حدث أن مدناً صغيرة غيرت أقدار أمم، وقد يكون هذا الشرف من نصيب مأرب. 

وما هو أهم من هذا الأمل: أن يستمر النضال، المقاومة، والمواجهة بما تيسر .. ولو بالنمل والحصى، ولو بالاحتقار، ولو بالتواصي بالثبات، ولو بالأخبار الكاذبة، ولو بالأغاني الرديئة، ولو بالضحك العالي والفاجر .. بأي شيء.

تعلموا من فلسطين:

ما تفعله أغنية "يا ظريف الطول" في الذاكرة والوجدان، لفلسطييني كل العالم، أهم من أوسلو ومن حركتي فتح وحماس. 

لنواجه الفاشية الهاشمية بما يبقى، بكل هو حقيقي وعميق وأزلي .. حتى وإن ذهبت المدن أدراج الرياح.

الخارجية اليمنية: تصعيد الحوثيين العسكري يقوض جهود إحلال السلام...

لا تعليق!