ما هي أزمة العملة؟ ولماذا تنهار العملات؟ وكيف يمكن للبنوك المركزية الحفاظ على سعر الصرف ثابتًا وحماية العملة من الانهيار؟ إليك تفاصيل ذلك

قبل 4 _WEEK | الأخبار | اقتصاد
عدد القراءات | 631 مشاركة |

شهد العالم عدة أزمات للعملة منذ تسعينيات القرن الماضي. أزمة العملة هي انخفاض مفاجئ وحاد في قيمة العملة الوطنية، يصحبه تقلب في الأسواق وفقدان الثقة في اقتصاد الدولة. غالبًا ما تكون أزمة العملة مفاجئة، وقد تكون متوقعة أحيانًا. مهما كان السبب في أزمة العملة -الحكومات أو المصارف المركزية أو المستثمرين أو مزيج من المؤثرات- تظل النتيجة هي ذاتها، وهي أن التوقعات السلبية للاقتصاد تؤدي إلى ضرر اقتصادي على نطاق واسع وخسارة في رأس المال. سنعرض في هذا المقال عدة حالات لأزمات مالية وندرس تفاصيلها.

ما أزمة العملة؟

تتمثل أزمة العملة في انخفاض حاد في قيمة العملة الوطنية، ما يؤثر سلبًا في الاقتصاد ويخلق حالة من عدم الاستقرار في أسعار الصرف، إذ تنخفض قيمة العملة مقارنةً بسواها. تاريخيًا، تتطور أزمة العملة عندما تؤدي التوقعات السلبية للمستثمرين إلى تغيرات ملحوظة في قيمة العملة.

تشبه أزمة العملة التضخم، إذ تنجم غالبًا عن خلل جوهري في بنية اقتصاد الدولة وعملتها، أي إنها ليست مرضًا يصيب الاقتصاد، بل هي عرض لمرض موجود.

ليست جميع الدول معرضة لأزمة العملة بدرجات متساوية، فبعض الدول أكثر عرضة للإصابة من سواها، مثلًا، إن الدولار الأمريكي قابل للانهيار نظريًّا، لكن انهياره غير مرجح نظرًا إلى كونه العملة الاحتياطية العالمية.

محاربة أزمة العملة

البنوك المركزية هي خط الدفاع الأول للحفاظ على استقرار العملة. في حال كان البنك المركزي يتبع نظام تثبيت سعر الصرف، يستطيع الحفاظ على سعر الصرف ثابتًا بالإنفاق من الاحتياطي الأجنبي. أما إذا كان سعر صرف العملة عائمًا، يستطيع البنك المركزي أن يتدخل في أسواق صرف العملات الأجنبية عندما تكون العملة مهددة. من أهم أدوات البنك المركزي للتأثير في الاقتصاد وسعر صرف العملة هي زيادة أو خفض أسعار الفائدة وحجم المعروض النقدي، ويخضع سعر صرف العملة العائمة لقوى السوق مثل السلع، أي إن السعر يتأثر بالتوقعات ويتحدد وفق مبدأ العرض والطلب على العملة.

عندما تتوقع الأسواق تخفيض البنك المركزي المتعمد لسعر صرف العملة، ينخفض الطلب على العملة في الأسواق ويزيد العرض، وتصبح العملة مهددة، ويمكن تلافي هذا الخطر بزيادة أسعار الفائدة. لرفع أسعار الفائدة، يخفض البنك المركزي حجم المعروض النقدي، ما يؤدي إلى زيادة الطلب على العملة، ومن ثم زيادة أسعار الفائدة. لتخفيض حجم المعروض النقدي، يستطيع البنك المركزي أن يبيع من الاحتياطي الأجنبي ليخلق حالة من تدفق رأس المال إلى الخارج.

عندما يبيع البنك المركزي من الاحتياطي الأجنبي يتلقى الدفع في صورة عملته المحلية، ويمكنه إخراج ما حصل عليه من عملته من التداول في الأسواق. تتوقع الأسواق انخفاض سعر صرف العملة ما يمثل تهديدًا لها، ولمواجهة هذا التهديد يبدأ المركزي ببيع الاحتياطي الأجنبي، ما يخفض المعروض النقدي، ومن ثم يؤدي إلى زيادة أسعار الفائدة.

لا يستطيع البنك المركزي منع سعر صرف العملة من الانخفاض على المدى الطويل، بسبب النقص الذي سيصيب الاحتياطي الأجنبي، ولعوامل اقتصادية وسياسية أخرى مثل زيادة نسبة البطالة. للتخفيض المتعمد لقيمة العملة إيجابيات، فتخفيض سعر العملة وزيادة أسعار صرف العملات الأجنبية يجعل أسعار السلع المحلية أرخص من السلع المستوردة، ما يؤدي إلى زيادة الإنتاج والطلب على العمال.

على المدى القصير، يزيد تخفيض قيمة العملة من أسعار الفائدة، وعلى البنك المركزي أن يقابل هذه الزيادة بزيادة حجم المعروض النقدي وحجم الاحتياطي الأجنبي. وكما ذكرنا سابقًا، يستهلك تثبيت سعر صرف العملة ومنعه من الانخفاض الاحتياطي الأجنبي، ويستطيع تخفيض سعر صرف العملة تعويض النقص في الاحتياطي، إذ يقلل الاستيراد ويزيد التصدير.

يدرك المستثمرون إمكانية تطبيق البنك المركزي لسياسة تخفيض سعر العملة، ويمكنهم بناء توقعاتهم على هذا الأساس، وهذه الفكرة مزعجة للبنك المركزي. إن توقع خفض البنك المركزي لقيمة العملة، والزيادة الناتجة في أسعار الفائدة، يجعل زيادة الاحتياطي الأجنبي بزيادة الطلب الكلي غير ممكنة، إذ يصبح على البنك المركزي أن يستخدم الاحتياطي لتخفيض حجم المعروض النقدي لزيادة أسعار الفائدة.

تشريح أزمة العملة

عندما ينتشر انعدام الثقة في استقرار الاقتصاد، غالبًا ما يميل المستثمرون لسحب أموالهم جماعيًا، ما يُسمى هروب رأس المال. فور بيع المستثمرين استثماراتهم القائمة على العملة المحلية، يحولون هذه الاستثمارات إلى عملات أجنبية، ما يزيد من تدهور سعر صرف العملة، ويؤدي إلى خفض قيمة العملة على المدى الطويل، ويصعب تمويل الدولة للإنفاق الرأسمالي.

تتضمن توقعات أزمة العملة تحليل عدة متغيرات معقدة ومتنوعة، وترتبط عدة عوامل أساسية بالأزمات المعاصرة:

- اقتراض الدول الكثير من الأموال، ما يتجلى في العجز المالي.

- الارتفاع السريع لقيم العملات.

- اضطراب المستثمرين الناجم عن عدم الثقة بالقرارات الحكومية.

أمثلة لأزمة العملة

أزمة أمريكا اللاتينية 1994

في 20 ديسمبر 1994، خُفّضت قيمة البيزو المكسيكي. كانت آخر حالة فوضى شهدها الاقتصاد المكسيكي سنة 1982، وتحسن بعدها تحسنًا ممتازًا، وشهدت معدلات الفائدة على الأوراق المالية المكسيكية مستويات إيجابية.

اشتركت عدة عوامل في خلق الأزمة:

- ضعف الاقتصاد، ما أدى إلى فشل الإصلاحات الاقتصادية التي طبقتها الدولة في أواخر الثمانينيات بهدف السيطرة على التضخم.

- اغتيال مرشح رئاسي في مارس 1994، ما أثار المخاوف من عمليات بيع العملة.

- كان الاحتياطي الأجنبي للبنك المركزي المكسيكي يقدر بنحو 28 مليار دولار، وكان متوقعًا أن يحافظ هذا المبلغ على استقرار البيزو المكسيكي، ولكن الاحتياطي استُنفد بالكامل في غضون عام.

- بدء البنك المركزي تحويل الديون قصيرة الأجل المقدمة بالبيزو إلى سندات مقدمة بالدولار الأمريكي، ما أدى إلى انخفاض احتياطي القطع الأجنبي وزيادة الدين.

- حدثت الأزمة عندما انتشرت المخاوف بين المستثمرين من عجز الحكومة عن تسديد الديون.

عندما قررت الحكومة أخيرًا تخفيض قيمة العملة في ديسمبر 1994، ارتكبت عدة أخطاء فادحة. فلم تخفّض قيمة العملة بالمستوى المطلوب، ما أظهر أنها لم تتخذ القرارات الضرورية مع أنها تتبع سياسة تثبيت سعر الصرف، ما دفع المستثمرين الأجانب إلى دفع سعر صرف البيزو نحو الانخفاض الحاد، وفرض ذلك على الحكومة رفع معدلات الفائدة المحلية إلى نحو 80%، ما أثر بصورة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي الذي انهار أيضًا. خفف تدخل الولايات المتحدة الأمريكية بقرض طارئ من شدة هذه الأزمة أخيرًا.

الأزمة الآسيوية 1997

كان جنوب شرق آسيا موطن اقتصادات النمور وموطن أزمة جنوب شرق آسيا. تدفقت الاستثمارات الأجنبية بأرقام كبيرة لسنوات عديدة، وشهدت الاقتصادات النامية تسارعًا في معدلات النمو ومستويات عالية من الصادرات. ارتبط النمو السريع بمشاريع الاستثمار الرأسمالي. وهو مصطلح يشير إلى الأموال التي تتزود بها الشركة بغرض توسيع أعمالها ورفع مستوى أهدافها، ويشير هذا المصطلح أيضًا إلى حيازة الشركة ممتلكات طويلة الأمد مثل العقارات والمصانع والآلات. لكن الإنتاجية الإجمالية لم تكن بحجم التوقعات.

مازال الخلاف قائمًا حول السبب المباشر للأزمة، ولكن تايلاند كانت أول المتأثرين. اعتمدت تايلاند بقوة على الدين الأجنبي مثل المكسيك، ما جعلها عرضة لمشكلة انعدام السيولة. هيمن قطاع العقارات على الاستثمار لكنه أُدير على نحو خاطئ. أصيب القطاع الخاص بقدر هائل من عجز الحسابات الجارية واعتمد اعتمادًا متزايدًا على الاستثمار الأجنبي لمنعه من الانهيار، وبذلك أصبحت الدولة معرضة لأخطار الصرف الأجنبي، وهو مصطلح يشير إلى الخسائر التي قد تصيب التعاملات المالية الدولية بسبب تقلبات أسعار صرف العملات.

حدثت الأزمة عندما رفعت الولايات المتحدة الأمريكية أسعار الفائدة المحلية، ما أدى إلى انخفاض الاستثمار الأجنبي الذي كان يُضَخ في جنوب شرق آسيا.

أصبح عجز الحسابات الجارية مشكلة كبيرة، وانتشرت العدوى المالية بسرعة، وانفجرت أزمة جنوب شرق آسيا بسبب عدة عوامل:

- انخفضت قيم عملات جنوب شرق آسيا بعدما أصبح الحفاظ على سعر صرف ثابت للعملة أمرًا بالغ الصعوبة.

- شهدت اقتصادات جنوب شرق آسيا زيادة كبيرة في الديون على القطاع الخاص، التي كانت مدعومة في عدة دول بتضخم قيم الأصول. وعندما انخفضت التدفقات الرأسمالية الأجنبية، ازداد العجز عن تسديد الديون.

- كان جزء من الاستثمارات الأجنبية قائمًا على التخمين والمضاربة، وربما لم يُعِر المستثمرون انتباهًا كافيًا للمخاطر المتضمنة.

الدروس المُستفادة من أزمات العملة

قد يكون الاقتصاد قادرًا على سداد الديون في البداية رغم وجود أزمة، ولا تكفي قلة الديون لتكون السياسات فعالة أو قادرة على امتصاص توقعات المستثمرين السلبية.

- بإمكان الفائض التجاري ومعدل التضخم المنخفض التقليل من أثر الأزمة في الاقتصاد. لكن في حالة العدوى المالية، تقلل المضاربة من خيارات الدولة على المدى القصير.

- في معظم الحالات، يُفترَض أن تؤمن الحكومة السيولة للبنوك الخاصة، لتتمكن من الاستثمار في الديون قصيرة الأجل التي تتطلب الدفع في وقت قصير. إن استثمرت الحكومة أيضًا في ديون قصيرة الأجل، قد يتناقص الاحتياطي الأجنبي بسرعة.

- تُصعِّب محافظة البنك المركزي على سعر صرف ثابت للعملة سياسة التعامل بالقيمة الاسمية، وهي قيمة الورقة المالية عند طرحها. يمكن أن يفيد الإعلان عن النوايا في المحافظة على قيمة العملة الثابتة، حينها سيدرس المستثمرون قدرة البنك المركزي على الحفاظ على هذه السياسة. على البنك المركزي تخفيض قيمة العملة بدرجة كافية كي يحافظ على مصداقيته.

الخلاصة

توجد عدة أشكال لأزمة العملة، لكن العامل الأهم هو عدم تناسب توقعات المستثمرين مع التوقعات الاقتصادية للدولة. إن النمو في اقتصادات الدول النامية مفيد للاقتصاد العالمي، لكن يخبرنا التاريخ أن معدلات النمو بالغة الارتفاع والسرعة قد تخلق عدم الاستقرار، وهي أيضًا أكثر عرضة للإصابة بهروب رأس المال والانخفاض طويل الأمد في قيمة العملة. قد تفيد إدارة البنك المركزي الفعالة، لكن توقع اتجاه الاقتصاد ليس أمرًا سهلًا، لذلك قد تساهم البنوك المركزية في أزمة عملة دائمة.

المصدر: أنا أصدق العلم.

لمتابعة الأخبار أولاً بأول تابعنا على فيسبوك اضغط هنا

اشترك بقناتنا على تليجرام لتصلك الأخبار أولاً بأول اضغط هنا

تابعنا على تويتر 

استطلاع الرأي
برأيك: هل تعتقد أن فيروس "كورونا" تم تصنيعه مختبريا، أم أنه جديد كلياً ومن فعل الطبيعة؟

خطاب العميد طارق صالح في الذكرى الـ58 لثورة 26سبتمبر

سياسة الاستهداف اليومي للمدنيين في تعز