من كردستان العراق لباكستان واليمن.. نطاق المواجهات يصل لمستوى غير مسبوق، فهل نقترب من حرب شاملة؟

قبل شهر 1 | الأخبار | أخبار محلية
مشاركة |

بالتزامن مع شن الولايات المتحدة جولة جديدة من الضربات الجوية ضد الحوثيين في اليمن، كانت إيران تقصف هدفاً داخل أراضي باكستان، وردت الأخيرة بقصف إيران، في توسع التوتر بالمنطقة إلى مشهد يبدو عبثياً، تتحارب فيه قوى غير ذات صلة مع بعضها بعضاً، فما هي أهداف طهران من هذا التوسع في المواجهات بالمنطقة.

واستهدفت الضربات الأمريكية ما قال المسؤولون عنها إنها كانت 4 صواريخ يجري تجهيزها من جانب الحوثيين لشن هجمات ضد سفن الشحن التجارية، ولكن الهجمات الحوثية تزداد وتيرتها مع كل هجمة أمريكية على اليمن.

وقعت آخر الضربات في حوالي الرابعة و15 دقيقة صباح الأربعاء بتوقيت صنعاء، وذلك وفقاً للقيادة الأمريكية، التي تشرف على العمليات في المنطقة. 

قال مسؤول عسكري أمريكي، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع، إن صواريخ الحوثيين "تشكل تهديداً وشيكاً على كل من السفن التجارية وسفن البحرية الأمريكية، رغم أن الحوثيين أكدوا مراراً أنهم يستهدفون فقط السفن المرتبطة بإسرائيل ثم وسعوا دائرة الاستهداف لتشمل سفن أمريكا وبريطانيا بعد هجوم البلدين على أهداف تابعة لهم. 

وجاءت الضربات الأمريكية عقب هجوم مسلح وقع الإثنين 15 يناير/كانون الثاني ضد سفينة حاويات نسر جبل طارق، وهي سفينة تملكها الولايات المتحدة وتشغلها. 

لكن الحوثيين بدوا مرة أخرى غير عابئين بالانتقام الأمريكي، حسبما ورد في تقرير نشر بصحيفة The Washington Post الأمريكية.

في وقت لاحق من يوم الثلاثاء 16 يناير/كانون الثاني، وفي حوالي الساعة 1:45 دقيقة ظهراً، أطلق الحوثيون صاروخاً باليستياً مضاداً للسفن في البحر الأحمر، وذلك حسبما قالت القيادة. وأبلغ طاقم السفينة التجارية زوغرافيا، التي تحمل علم مالطا، السلطات بأنهم تعرضوا لضربة، لكنها لا تزال صالحة للإبحار وأوضحوا أنهم سيواصلون رحلتهم.

رسالة الحوثيين هي أننا مستمرون في الهجمات

يرسل استمرار هجمات الحوثيين واتساع نطاقها، رسالة واضحة مفادها أنه حتى بعد أن نفذت القوات الأمريكية والبريطانية عشرات الضربات في الأسبوع الماضي ضد أهداف للحوثيين، فإن هذه الجماعة المسلحة تبدو عازمة على المضي قدماً، ولديها قدرات تتيح لها مواصلة الهجمات على السفن التجارية في دائرة عنف لا يمكن التنبؤ بها.

وتشكل العمليات التي نفذتها الولايات المتحدة أمس الثلاثاء، المرة الثالثة على أقل تقدير، التي يُتخذ فيها تحرك عسكري ضد الحوثيين المدعومين من إيران، مما يشير إلى ما قد يكون بداية حملة مستمرة. 

وشنت جماعة الحوثي ما يقرب من 30 هجوماً على سفن تجارية في المنطقة منذ نوفمبر/تشرين الثاني، وربطوا تحركاتهم بالحرب التي تشنها إسرائيل ضد قطاع غزة والدعم الغربي المُقدم إلى إسرائيل.

إيران تقصف داعش في سوريا

وعلى الجانب الآخر من المنطقة، نفذت إيران ضربات في سوريا والعراق، مما قد يشكل اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على تجنب المواجهة المباشرة ضد إيران، فضلاً عن تسليط هذه الحوادث الضوء على احتمالية وقوع سوء تقدير في ظل تصعيد التحرك العسكري.

وكان لافتاً امتداد موجة العنف الحالية إلى مجموعة أخرى من شبكات الجماعات المسلحة التي غير المرتبطة.

وكان من أبرز مظاهر ذلك الغارة الجوية النادرة التي شنها الحرس الثوري الإيراني يوم الإثنين 15 يناير/كانون الثاني في سوريا واستهدفت، حسبما قالت طهران إنها مواقع مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي أعلن مسؤوليته عن الانفجارين اللذين وقعا في مدينة كرمان الإيرانية خلال فعاليات إحياء ذكرى مقتل اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس سابقاً.

وفي حين أن التحرك بدا غير مرتبط بموجة العنف الأخيرة بين إسرائيل والولايات المتحدة وبين حلفاء إيران، فإن هجمة إيرانية أخرى بدا أن لها علاقة بالصراع الأمريكي الإيراني.

إذ شنت إيران أيضاً ضربة جوية ضد ما وصفه المسؤولون الإيرانيون بأنه موقع جاسوسية إسرائيلي في إقليم كردستان العراق، وهو تحرك أثار غضب المسؤولين في بغداد وأربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق شبه المستقل، ويعد الإقليم من أخلص حلفاء واشنطن ومتهم عربياً بأنه له علاقة وثيقة مع إسرائيل، الدولة الوحيدة التي أيدت محاولته الفاشلة للاستقلال.

والأمر الأكثر مفاجأة كان الهجوم الإيراني على أراض باكستان جار طهران المسلم النووي، بدعوى ضرب معسكر لجماعة سنية معادية للنظام الإيراني.

يبدو أنه استعراض قوة إيراني نادر الحدوث

تبدو الهجمات الإيرانية على ثلاثة بلدان في الشرق الأوسط وجنوب آسيا في وقت واحد بينما وكلاؤها مشغولون مع أمريكا، وإسرائيل، أمراً غير مفهوم، وقد تكون نوعاً من استعراض القوة الإيرانية، غير المسبوق في نطاقه الجغرافي، ويهدف إلى إرسال رسالة مفادها للأطراف المحيطة بها أنها جاهزة لأي محاولة للتلاعب بشؤونها الداخلية.

أو أنه استعراض للقوة مع أطراف ضعيفة أو ليس لديها استعداد لمواجهة طهران مثل باكستان، وذلك بدلاً من أن تتورط إيران مباشرة مع الأطراف القوية، مثل أمريكا وإسرائيل مكتفية باستخدام حلفائها في لبنان واليمن والعراق بمشاغلة الدولتين.

أمريكا تدين الهجمات الإيرانية على كردستان العراق

وقال الحرس الثوري في بيان إن هجمات إيران ضربت "مقار الجاسوسية" الخاصة بالموساد الإسرائيلي في كردستان العراق التي استُخدمت للتخطيط لتنفيذ أعمال "إرهابية" ضد إيران. أنكر المسؤولون العراقيون والأكراد هذه الادعاءات. ورفض المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء الإسرائيلي التعليق على تأكيدات إيران.

قال مستشار الأمن القومي، قاسم الأعرجي، إنه زار منزل أحد ضحايا الهجوم. وكتب الأعرجي في منشور على موقع X (تويتر سابقاً): "اطلعنا ميدانياً، وبرفقة أعضاء اللجنة التحقيقية، على منزل رجل الأعمال المستهدف ليلة أمس في أربيل، وتبين أن الادعاءات التي تتحدث عن استهداف مقر للموساد لا أساس لها من الصحة. نواصل الاجتماعات مع الأجهزة الأمنية في الإقليم، وسنرفع التقرير للقائد العام المحترم".

وقالت وزارة الخارجية العراقية في تغريدة على موقع X: "استدعت وزارة الخارجية العراقية القائم بالأعمال الإيراني في بغداد أبو الفضل عزيزي صباح يوم الثلاثاء الموافق 2024/1/16، وسلم رئيس دائرة الدول المجاورة وكالةً السيد محمد رضا الحسيني، القائم بالأعمال الإيراني مذكرة احتجاج".

أكد المسؤولون الأمريكيون عدم إصابة أي من الأمريكيين الموجودين في العراق خلال الهجمات، لكنهم أدانوا تحركات إيران.

قال ماثيو ميلر، المتحدث باسم وزارة الخارجية في بيان: "نرفض الهجمات الصاروخية المتهورة التي نفذتها إيران، والتي تقوض استقرار العراق".

الوضع في لبنان يتصاعد

وقد برزت مخاطر اندلاع حرب إقليمية بصورة أكبر أمس الثلاثاء 16 يناير/كانون الثاني من خلال موجة من الغارات الجوية التي شنتها إسرائيل على لبنان، مما يجسد تصعيداً في المواجهة المستمرة بين إسرائيل وحزب الله المدعوم من إيران. 

وقال جيرالد فيرستين، سفير الولايات المتحدة لدى اليمن سابقاً وهو الآن زميل بارز في معهد الشرق الأوسط، إن إيران بدت عازمة، مثل الولايات المتحدة، على البقاء بعيداً عن أي صراع مباشر مع الجيش الأمريكي وحلفائه. وقد أشار إلى الحقيقة التي تقول إن حزب الله اللبناني، أكبر وكلاء إيران وأقواهم، لم يطلق العنان لكامل ترسانته الكبيرة من الصواريخ ضد إسرائيل في الأشهر الأخيرة. وفي يوم الثلاثاء، نفذت إسرائيل عشرات الضربات العابرة للحدود جنوب لبنان.

وبالمثل، جاءت هجمات الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا والعراق ضد منشآت الجيش الأمريكي في كلا البلدين، محسوبة الإيقاع ولم تحقق هذه الضربات أضراراً كبيرة، ولم تتسبب إلا في القليل من الدمار. 

وفي تحرك أمريكي بدا هو الآخر يحافظ على ضبط النفس، نفذت الولايات المتحدة ضربات انتقامية محدودة النطاق، من خلال غارة جوية في بغداد مطلع هذا الشهر، أدت إلى مقتل قائد ميليشيا متهم بتنظيم العنف ضد الأمريكيين المنتشرين هناك.

ما هي احتمالات وقوع مباشرة بين أمريكا وإيران؟

وقال فيرستين إن إيران في حين أنها تبدو عازمة على الامتناع عن التورط بصورة مباشرة في الحرب في غزة، فإن المواجهة بين الحوثيين والولايات المتحدة قد تخدم أهدافها (بدون أن تتورط بها).

وأضاف: "محور المقاومة" يدعم الفلسطينيين، لكنه لا يتعدى الخطوط الحمراء الأمريكية"، وذلك في إشارة إلى تحالف فضفاض من الجماعات التي تسعى، ومعها إيران، إلى التصدي للنفوذ الأمريكي في المنطقة. وأضاف: "لا يُرجح أن يحدث صراع مباشر بين أمريكا وإيران، ومن ثم فإن كل شخص يمكنه التعايش مع المستوى الذي وصل إليه في الوقت الحالي".

ولا يتضح إلى متى يمكن أن يستمر الوضع الراهن. نشرت الولايات المتحدة أصولاً عسكرية إضافية في الشرق الأوسط في أعقاب عملية طوفان الأقصى، أملاً في منع الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران من اغتنام الفرصة وضرب عدوهم المشترك المتمثل في إسرائيل، وراعيتها المتمثلة في الولايات المتحدة. كذلك أسست الولايات المتحدة جهوداً مكثفة متعددة الجنسيات لردع الهجمات البحرية التي عطلت بدرجة كبيرة الشحن التجاري في البحر الأحمر.

واشنطن لا تريد التصعيد مع الحوثيين

تمثل جبهة الحوثيين واحدة من أكثر الجبهات إيلاماً لأمريكا والغرب وحتى الاقتصاد العالمي، كما أنها واحدة من أكثر الجبهات الإشكالية، في ظل معرفة أمريكا بمحدودية تأثير الهجمات على الحوثيين بالنظر إلى خبرتهم الطويلة في التعامل مع القصف الجوي، الذي نفذه التحالف العربي في اليمن لسنوات، الذي كان يضم السعودية والإمارات، حيث تتسم الجماعة بطابع لا مركزي، إضافة لجغرافية اليمن الوعرة التي توفر لها ملاذات عديدة من القصف الجوي.

وقال جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، أمس الثلاثاء، إن الولايات المتحدة عندما نفذت عشرات الهجمات في اليمن في الأسبوع الماضي، توقع كبار المسؤولين الأمريكيين "بيقين تام" أن الحوثيين "سوف ينفذون على الأرجح بعض الضربات الانتقامية".

وأوضح كيربي أن الصواريخ التي دمرها الجيش الأمريكي أمس الثلاثاء، "نعتقد أنه جُهزت وكانت تستعد لإطلاقها من اليمن".

وصحيحٌ أن الحوثيين لم ينفذوا هجوماً "ناجحاً على نحو كارثي" ضد سفن الشحن حتى هذه اللحظة، لكنه قال إنه هذا "لا يعني أننا نستطيع غض الطرف والجلوس مكتوفي الأيدي".

وأضاف أن الولايات المتحدة أيضاً لا تسعى لخوض حرب مع الحوثيين.

قال كيربي: "لا نتطلع لتوسيع رقعة هذا الأمر. لا يزال لديهم الوقت لاتخاذ الخيار الصائب، وهو أن يوقفوا هذه الهجمات المتهورة".

وسعت القوات الأمريكية لإيقاف إمدادات الأسلحة القادمة من إيران إلى اليمن. في يوم الخميس 11 يناير/كانون الثاني، وصعدت قوات العمليات الخاصة في مشاة البحرية الأمريكية (Navy SEALs) على متن قارب شراعي صغير يُعرف بـ"الدهو"، في بحر العرب، وعثرت على رؤوس حربية صاروخية ومكونات أسلحة ذات صلة بالصواريخ، وكلها مصنوعة في إيران. فُقد اثنان من قوات العمليات الخاصة أثناء العملية، لتنطلق عملية بحث وإنقاذ لا تزال دائرة حتى  الثلاثاء 16 يناير/كانون الثاني.

وفي إطار استجابتها التي تتطور مع مرور الوقت رداً على أفعال الحوثيين، أعلنت الولايات المتحدة إدراج الحوثيين ضمن قائمة المنظمات الإرهابية العالمية، والقرار بإدراج الحوثيين ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية يجسد تحولاً عن خطوة اتخذتها الإدارة في مطلع 2021 خوفاً من تفاقم الوضع الإنساني المتردي بالفعل في اليمن.

في المجمل فإن التصعيد الإيراني في عدة جبهات ونقل التوتر من العراق ولبنان لليمن وكردستان العراق وباكستان، يبدو أنه جزء من استراتيجية أوسع لممارسة الضغط على أمريكا وإسرائيل لوقف الحرب على غزة دون إشعال جبهة بعينها، وخلق حالة تتورط فيها أمريكا في تفاصيل من التوترات الجزئية، مع توجيه رسالة لحلفائها المحليين بالمنطقة إلى الابتعاد عنها ولو حين انتهاء الأزمة. 

الظاهرتان المناخيتان إل نينيو وإل نينيا

لا تعليق!